الحارث المحاسبي
120
الرعاية لحقوق الله
لمؤلم مؤذ ، وإن الراحة له لموافقة ، ولكن اختار النصب على الراحة لما يأمل من الأجر ، فإن كان أجره قليلا والمستأجر موفيا مليئا فإذا ذكر قلة الأجر استثقل العمل ، وإذا ذكر أن المستأجر له ملىء لن يظلمه خفّ عليه العمل ، وإذا كان الأجر كثيرا والمستأجر له لا يأمن من ظلمه ، فكلما ذكر ما يخاف من ظلمه استثقل العمل ، وإذا ذكر كثرة الأجر خفّ عليه العمل ، فإذا كثر الأجر وكان المستأجر مليئا موفيا خف عليه العمل ، ولم يجد على قلبه ثقله له ، وعمله بنشاط له وخفّة ، فلا مستأجر أملا من اللّه عزّ وجلّ ، ولا أجر أكثر من الجنّة . وكذلك التجار من أهل الدنيا : لا يقطعهم عن سفرهم - لما يأملون من الأرباح - الحرّ ولا البرد ولا الأمطار ولا الخوف من اللصوص ولا السباع ، لحلاوة ما يأملون من الربح . فالعامل للّه عزّ وجلّ والتاجر له أولى أن يخف عليه العمل إذا ذكر الربح الذي لا ينقطع ولا تنغيص فيه ، ولا تصريد « 1 » من المربح الذي لا يظلم مثقال ذرة ، بل يضاعف ويعطي الكثير باليسير من العمل ، وتجار الآخرة لا يربحون كما يربح تجار الدنيا ولا عمالها ، لأن تجار الدنيا إنما يربحون من جنس الدنيا وجوهرها ، واللّه عزّ وجلّ لا يربح عمّال الدين من جنس الدنيا ولا من جوهرها ، ولا يرضى لهم بربح الدراهم والدنانير ؛ لأن ذلك من جنس الدنيا وجوهرها ، ولكن يربحهم قصور الياقوت والزمرد والدر في الدّار التي لا تفنى ، تربتها المسك والزعفران ، مع زوال الهموم عن قلوبهم ، فلا يخطر أبدا بقلوبهم الأحزان ولا تحل في قلوبهم أبدا ، والفرح والسرور لا يبرحان من قلوبهم أبدا ، فإذا تذكّر هذا العبد حلاوة هذا الأجر مع تذكّر نظر الجواد الكريم إليه ، وهو مجاهد
--> ( 1 ) التصريد : التقليل .